المجتمع المدني والعلمانية
لا بد من الجلوس خلف المقود
————-
ســالم العوكلــي
—————
يدور الحديث دائماً عن المجتمع المدني باعتباره جوهراً للإصلاح السياسي ومضموناً مؤسسياً للديمقراطية، والحديث عن المجتمع المدني يتطرق غالباً إلى مكوناته المتمثلة في المؤسسات الأهلية وبعض النظم التشريعية والإدارية التي تعطي حس المبادرة والمشاركة لأكبر قطاع من الناس في العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي ظاهرها تبدو هذه المطالب شرعية وحضارية، لكن كونها مطالب وكفى هو أساس الأزمة والارتباك الذي نقع فيه، فثمة أمور عديدة فرضت نفسها عبر التاريخ والحراك الاجتماعي والإعداد الثقافي لها، ولم تكن مجرد مطالب بقدر ما هي نتاج طبيعي لنضج الواقع الاجتماعي ولتطور أنساق علاقات الإنتاج، ومن ثم تهيئة الذهنية لمثل هذه النتاجات التاريخية والسيكولوجية المتوافقة مع معطياتها الجديدة.. نطالب بكل هذه المكونات بتفاؤل نحسد عليه، وكأن الأرضية مؤهلة لهذه الروشتة الشافية من كل أمراض النظم الشمولية، وكأن مشروعنا التنويري كان ناجحاً واستطاع أن يعد المناخ لمثل هذه المباني الديمقراطية كي تفعل فعلها.
بداية سأقول جازماً ـ لأنني حتى الآن على الأقل لا أرى غير ذلك ـ إن الديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، كلها دون مواربة نتاج للحداثة بمعناها الاصطلاحي، وإن الحداثة مع تشابك تعريفات وتعدد طرق تحليلها تمثلت في محورين أساسيين (الحريات والذاتانية).
وسأقول أيضاً ـ بغض النظر عن اليوتوبيات المطروحة عبر تاريخ الاجتهاد الإنساني كمشاريع للسعادة الإنسانية المطلقة، التي ترسم العودة إلى الفردوس الإنساني المفقود، بأطروحات المطاف الأخير للصراع الإنساني ونهاية التاريخ وانتصار الخير الحتمي، من أفلاطون إلى هيجل ـ ماركس ـ ماو ـ فوكوياما.. إلخ ـ سأقول دون مواربة أيضاً: إن التجربة التاريخية في الممارسة الديمقراطية تؤكد صراحة، أنه لا يمكن أن توجد ديمقراطية إلا في ظل مجتمع مدني، ولا يقوم مجتمع مدني إلا في ظل مجتمع علماني ( يبدو من الغريب هنا الحديث عن الديمقراطية بهذه الإطلاقية أو بلغة غير ديمقراطية، وهو منحى يعكس إلى حد ما أزمة ثقافتنا وأنا لست بمعزل عن هذا الإرث اللغوي والفكري، ولكن ما يشفع لي هو كوني أحاول أن أعطي هنا وجهات نظر إجرائية، وفي الوقت نفسه أحاول التقاط أحكامي مما آلت إليه التجارب التاريخية، وما نلمسه في تفاوت الواقع الإنساني الراهن الذي بالتأكيد وراءه عوامل مركبة ومعقدة، غير أننا باعتبارنا ضمن الحداثة الإنسانية ولو بكوننا مستهلكين أو مستمتعين بنتاجها، ملزم علينا بشكل أخلاقي أن نكون أيضاً ضمن سياقها الثقافي والفكري والسياسي، متحاشين محاولات الغربلة المستحيلة التي نرنو من خلالها إلى التمتع بالثورة التقنية دون التورط فيما أفرزته من قيم وعلاقات جديدة، بالتأكيد أهمها الديمقراطية وحقوق الإنسان التي نهضت على أرضية العلمنة لتلك المجتمعات).
وبعد هذا الفاصل التبريري الذي لابد منه، سأسأل دون مواربة أيضاً: هل ثمة مجتمع إسلامي ديمقراطي بما تعنيه الكلمة حتى الآن، يتداول السلطة ومتعدد، وفوق ذلك مستقر دون نزاعات دينية أو إثنية أو سجناء رأي، من موريتانيا إلى إندونيسيا؟ سؤال أترك الإجابة عنه عبر متابعة نشرات الأخبار اليومية، وهذا بدوره سيقودنا إلى مصادرة تضعنا من جديد في صميم مسألة الدجاجة والبيضة، فأقول: إن كل المباني الديمقراطية المنشودة لا يكفي أن تتواجد على الأرض بلافتاتها البراقة أو على ورق التعاقد الاجتماعي، لكن لابد لها أن تبنى في العقل أولاً.
العقل الذي قرر في أكثر لحظات عزلته وحيرته أن يكف عن النظر إلى السماء وينزاح إلى الأسفل.. العقل الذي لا تحركه قوى اللاوعي الجماعي والخرافة والوجديات الأسطورية الممعنة في التضليل.. العقل الذي لا يكتفي بالدعاء كل جمعة ( ربنا لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا ) العقل الواثق بقدرات الإنسان بمعزل عن جماعته الدينية التي مازالت تذهب إلى صلاة الاستسقاء رغم توقعات الأرصاد الجوية الدقيقة، العقل الذي لا يتشفى في الآخرين، معتبراً الزلازل والعواصف والفيضانات عقاباً من الله إذا مست الكفرة!! وامتحاناً منه إذا مست المسلمين، العقل المأخوذ بانتظار المهدي أو الزعيم المخلص الأوحد، وأننا خير أمة أخرجت للناس حتى وهي تتمرغ في الوحل، العقل اللائذ بالكسل والمستمتع أيما استمتاع بالحكم على الأشياء قبل فهمها، وأن كل شيء مفصل تفصيلا، وليس في الإمكان أبدع مما كان، العقل الذي يستورد كل رفاهيته، وأدويته، وتقنيته، ومسبحاته، ومكيفاته ومكبرات صوت الأذان واللقاحات، يستورد كل ذلك من أناس يعتقد دون ذرة شك بأنهم في النار، العقل الذي يسبح في مناهج تعليمية تعبوية تؤكد له أن الآخر كافر وعدو حتى تثبت براءته، وأن عنترة العبسي والمهلهل أهم من ابن رشد وابن خلدون.. العقل الذي يعتبر الخرافة أكثر حضوراً من الحياة اليومية، والأسطورة أكثر حضوراً من التاريخ.. العقل الذي يستورد من الغرب أنظمة السجون وأدوات التعذيب وسيارات المطاردة البوليسية ويعتبر حقوق الإنسان والديمقراطية والمجتمع المدني نتاجات غربية لا تناسبنا.. العقل المشحون بوعي نرجسي متكبر وعند الهزيمة يتحول إلى وعي عدواني.. العقل الذي هو باختصار مازال في مرحلة ما قبل الحداثة رغم أنه ضمن جسد يستمتع بكرنفال الحداثة.. عقل انفعالي مبني على الحدس وردود الأفعال.. وبالحصيلة هو عقل لا علمي يجتاز عصراً محركه العلم.
تقول "آلان تورين" في كتابها "نقد الحداثة": لا حداثة دون تكوّن ذات في العالم تحس بمسئوليتها إزاء نفسها والمجتمع ).. العقلنة وإضفاء الذات يظهران في الوقت نفسه مثل النهضة والإصلاح، ثمة جدل لا يمكن تجاوزه بين اختراق العقل للبنى القبْلية وبين اكتشاف الإنسان لذاته المستقلة التي منها يتشكل المجتمع والأمة والإنسانية، فالتفاعل بين الذات كمعطى إنساني منزوع عن سياقاته الدوغمائية، والعقل كأداة منهجية لفهم العالم والتاريخ، وإدراج الأسئلة الوجودية في صميم الثقافة والوجدان، من شأنه أن يبلور مفهوماً حديثاً للآخر، وبالتالي جوهر الحوار الذي عليه نبني قدرتنا على التعدد والتجاور والتسامح، ومحددات السلوك الديمقراطي الذي يتأصل في الذات الإنسانية، ومنها ينطلق إلى المؤسسة والتشريع.
الذات الموكلة للآخرين والمذابة في محاليل ورثتها ولم تخترها، دينية أو قبلية أو عرقية، تتخلى عن كونها ذاتاً مستقلة، وتدخل في حالة إدماج جماعي يجعلها جزءاً من حالة تعصب عمياء منكِرة بطبيعتها للاختلاف والحوار، وبالتالي فهي تلوذ بحماية الجماعة لأنها جزء من لحمتها، فالقانون من أجل الذات المستقلة، والعرف من أجل الذات الذائبة في القبيلة، وما بين هذا وذاك مسافة شاسعة يتحقق فيها مصير ومصداقية مقولات مثل المجت
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |